غانم قدوري الحمد

37

محاضرات في علوم القرآن

التأريخية ، ومن ثم فإن لمعرفة سبب النزول طريق واحد هو النقل الصحيح عن الصحابة الذين عاصروا تنزيل القرآن وشاهدوا الأحداث التي وقعت حينذاك ، يقول الواحدي : « ولا يحلّ القول في أسباب نزول الكتاب إلا بالرواية والسماع ممن شاهدوا التنزيل ووقفوا على الأسباب ، وبحثوا في علمها ، وجدّوا في الطلاب » « 1 » . وقد جعل العلماء قول الصحابي في سبب النزول حجة ثابتة بمنزلة الحديث المرفوع إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم ، قال الإمام الحاكم النيسابوري : « فإن الصحابي الذي شهد الوحي والتنزيل فأخبر عن آية من القرآن أنها نزلت في كذا وكذا فإنه حديث مسند » « 2 » . وكان الصحابة ، رضي اللّه عنهم ، يذكرون أسباب النزول وينقلونها إلى التابعين ، كما روى البخاري عن نافع مولى عبد اللّه بن عمر أنه قال : « كان ابن عمر ، رضي اللّه عنهما ، إذا قرأ القرآن لم يتكلم حتى يفرغ منه ، فأخذت عليه يوما ( أي : أمسكت المصحف ، وهو يقرأ عن ظهر قلب ) فقرأ سورة البقرة حتى انتهى إلى مكان قال : تدري فيم أنزلت ؟ قلت : لا . قال : أنزلت في كذا وكذا ، ثم مضى » « 3 » . والروايات المنقولة في سبب النزول بعضها يصرّح بأن الآية نزلت بسبب كذا ، وبعضها يأتي بصيغة أن هذه الآية نزلت في كذا ، أي يراد بها كذا . فمن الأول ما رواه البخاري عن عبد اللّه بن مسعود ، رضي اللّه عنه ، أنه قال : « بينا أنا مع النبي صلى اللّه عليه وسلم في حرث ، وهو متّكئ على عسيب ، إذ مرّ اليهود ، فقال بعضهم لبعض : سلوه عن الروح ، فسألوه ، فأمسك النبي صلى اللّه عليه وسلم فلم يردّ عليهم شيئا ، فعلمت أنه يوحى إليه ، فقمت مقامي ، فلما نزل الوحي قال :

--> ( 1 ) أسباب نزول القرآن ص 5 . ( 2 ) معرفة علوم الحديث ص 20 . ( 3 ) ابن حجر : فتح الباري 8 / 189 .